المقريزي

194

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وكان عددهم نحوا من مائتين وثلاثين ، فأنزلوا بالظاهر أحد خطط مصر ، وكان إذ ذاك طرقا ، أراد أن يسدّ بهم ذلك الموضع ، فنزلوا في الموضع المعروف بكوم سراج ، وكان فضاء ، فبنوا لهم مسجدا واتخذوا سوقا لأنفسهم ، فسمى سويقة العراقيين . ذكر العوائد التي كانت بقصبة القاهرة إعلم أن قصبة القاهرة ما برحت محترمة ، بحيث أنه كان في الدولة الفاطمية إذا قدم رسول متملّك الروم ، ينزل من باب الفتوح ويقبل الأرض وهو ماش إلى أن يصل إلى القصر ، وكذلك كان يفعل كل من غضب عليه الخليفة ، فإنه يخرج إلى باب الفتوح ويكشف رأسه ويستغيث بعفو أمير المؤمنين حتى يؤذن له بالمصير إلى القصر ، وكان لها عوايد منها : أن السلطان من ملوك بني أيوب ومن قام بعدهم من ملوك الترك ، لا بدّ إذا استقرّ في سلطنة ديار مصر أن يلبس خلعة السلطان بظاهر القاهرة ، ويدخل إليها راكبا والوزير بين يديه على فرس ، وهو حامل عهد السلطان الذي كتبه له الخليفة بسلطنة مصر على رأسهم ، وقد أمسكه بيديه ، وجميع الأمراء ورجال العساكر مشاة بين يديه منذ يدخل إلى القاهرة من باب الفتوح ، أو من باب النصر ، إلى أن يخرج من باب زويلة . فإذا خرج السلطان من باب زويلة ركب حينئذ الأمراء وبقية العسكر . ومنها أنه لا يمرّ بقصبة القاهرة حمل تبن ، ولا حمل حطب ، ولا يسوق أحد فرسا بها ، ولا يمرّ بها سقّاء إلّا وراويته « 1 » مغطاة . ومن رسم أرباب الحوانيت أن يعدّوا عند كل حانوت زيرا مملوءا بالماء مخافة أن يحدث الحريق في مكان فيطفأ بسرعة ، ويلزم صاحب كل حانوت أن يعلق على حانوته قنديلا طول الليل يسرج إلى الصباح ، ويقام في القصبة قوم يكنسون الأزبال والأتربة ونحوها ، ويرشون كل يوم ، ويجعل في القصبة طول الليل عدّة من الخفراء يطوفون بها لحراسة الحوانيت وغيرها ، ويتعاهد كل قليل بقطع ما عساه تربى من الأوساخ في الطرقات حتى لا تعلو الشوارع . وأوّل من ركب بخلع الخليفة في القاهرة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب . قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وستين وخمسمائة ، تاسع شهر رجب وصلت الخلع التي كانت نفذت إلى السلطان الملك العادل نور الدين محمد بن زنكي من الخليفة ببغداد ، وهي جبة سوداء وطوق ذهب ، فلبسها نور الدين بدمشق إظهارا لشعارها ، وسيّرها إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ليلبسها ، وكانت أنفذت

--> ( 1 ) الرّاوية : البعير أو البغل أو الحمار الذي يستقى عليه . مختار الصحاح .